ملا محمد مهدي النراقي
214
جامع السعادات
إلى ملك من الملائكة ، ويكون الموكل به ملكا واحدا على حدة ، ولا يمكن أن يفوض جميعها إلى ملك واحد ، كما لا يمكن أن يتولى إنسانا واحدا سبعة أعمال في الحنطة ، كالطحن وتمييز النخالة ، ودفع الفضلة عنه ، وصب الماء عليه ، والعجن ، وقطعها كسرات مدورة ، وترقيقها رغفانا عريضة ، وإلصاقها بالتنور . إذ الملك وحداني الصفة ليس فيه خلط وتركيب من المتضادات . فلا يكون لكل واحد منهم إلا فعل واحد ، كما أشير إليه بقوله - تعالى - : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) 15 ولذلك ، ليس بينهم تحاسد وتنافس . ومثالهم في تعيين مرتبة كل واحد منهم وعدم مزاحمة الآخرين له مثال الحواس الخمس ، وليس كالانسان الذي يتولى بنفسه أمورا مختلفة ، وسبب ذلك اختلاف صفاته ودواعيه ، فإنه لما لم يكن وحداني الصفة لم يكن وحداني الفعل ، ولذلك ترى أنه يطيع الله تارة ويعصيه أخرى . وذلك غير موجود في الملائكة ، فإنهم مجبولون على الطاعة لم تتصور في حقهم معصية ، ولكل منهم طاعة خاصة معينة . فالراكع منهم راكع أبدا ، والساجد منهم ساجد دائما ، والقائم منهم قائم أبدا ، لا اختلاف في أفعالهم ولا فتور ، ولكل واحد منهم مقام معلوم . وإذ قد ظهر لك عدد ما يحتاج إليه بعض أفعال مجرد الاغتذاء من الملائكة الأرضية المستمدين من الملائكة السماوية ، فقس عليه سائر أفعال الاغتذاء ، وسائر أفعالك الباطنة والظاهرة ، فإن بيان ذلك ليس ممكنا . ثم قس على ذلك إجمالا جملة صنائع الله وأفعاله الواقعة في عالمي الجبروت والملكوت ، وعالم الملك والشهادة ، فسماواته وأرضه وما بينهما وما تحتهما وما فوقهما فإن أعداء الملائكة الموكلين بها غير متناهية ، كيف ومجامع طبقات الملائكة وقد ظهر مما عرف من توقف كل نعمة على نعم كثيرة متسلسلة ، إلى أن ينتهي إلى الله ، واتصال البعض بالبعض ووقوع الارتباط والترتب
--> ( 15 ) الصافات ، الآية : 164